سيد محمد طنطاوي

478

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والذي تطمئن إليه النفس أن الحزبين كليهما من أصحاب الكهف ، لأن اللَّه - تعالى - قد قال بعد ذلك - وكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ أي الفتية لِيَتَسائَلُوا بَيْنَهُمْ ، قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ ، قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ، قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ . . . قال الآلوسي : * ( ثُمَّ بَعَثْناهُمْ ) * أي : أيقظناهم وأثرناهم من نومهم * ( لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ ) * أي : منهم ، وهم القائلون لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ والقائلون رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ . وقيل : أحد الحزبين الفتية الذين ظنوا قلة زمان لبثهم ، والثاني أهل المدينة الذين بعث الفتية على عهدهم وكان عندهم تاريخ غيبتهم . . والظاهر الأول لأن اللام للعهد ، ولا عهد لغير من سمعت « 1 » . والمراد بالعلم في قوله * ( لِنَعْلَمَ . . ) * إظهار المعلوم ، أي ثم بعثناهم لنعلم ذلك علما يظهر الحقيقة التي لا حقيقة سواها للناس . ويجوز أن يكون العلم هنا بمعنى التمييز ، أي : ثم بعثناهم لنميز أي الحزبين أحصى لما لبثوا أبدا . فهو من باب ذكر السبب وإرادة المسبب ، إذ العلم سبب للتمييز . ولفظ « أحصى » يرى صاحب الكشاف ومن تابعه أنه فعل ماض ، ولفظ « أمدا » مفعوله ، و « ما » في قوله * ( لِما لَبِثُوا ) * مصدرية ، فيكون المعنى ، ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أضبط أمدا - أي مدة - للبثهم في الكهف . قال صاحب الكشاف : و « أحصى » فعل ماض ، أي : أيهم أضبط « أمدا » لأوقات لبثهم . فإن قلت : فما تقول فيمن جعله من أفعل التفضيل ؟ قلت : ليس بالوجه السديد ، وذلك أن بناءه من غير الثلاثي المجرد ليس بقياس . . والقياس على الشاذ في غير القرآن ممتنع فكيف به . . « 2 » . وبعضهم يرى أن لفظ « أحصى » صيغة تفضيل ، وأن قوله « أمدا » منصوب على أنه تمييز وفي إظهار هذه الحقيقة للناس ، وهي أن اللَّه - تعالى - قد ضرب النوم على آذان هؤلاء الفتية

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 15 ص 212 . ( 2 ) راجع الكشاف ج 2 ص 474 .